حسن بن عبد الله السيرافي
60
شرح كتاب سيبويه
قال أبو سعيد : اختلف النحويون في الناصب للمستثنى في قولنا : أتاني القوم إلا زيدا ، فأما ما قاله سيبويه في أبواب من الاستثناء أنه يعمل فيه ما قبله من الكلام كما تعمل " عشرون " فيما بعدها إذا قلت " عشرون درهما " . وقد قال في هذا الباب : " وعلى هذا ما رأيت أحدا إلا زيدا . تنصب " زيدا " على غير رأيت ، وبعده : والدليل على ذلك أنه يجئ على معنى ولكن زيدا ولا أعني زيدا . وكذلك في آخر هذا الباب : " إن لفلان مالا إلا أنه شقي " فإنه لا يكون أبدا على : إن لفلان . وهو في موضع نصب وجاء على معنى " ولكنه شقي " . وقد كشف سيبويه ذلك بأبين مما تقدم . وهو قوله في باب " غير " : " ولو جاز أن تقول أتاني القوم زيدا تريد الاستثناء ولا تذكر " إلا " لما كان نصبا . " . قال أبو سعيد : والذي يوجبه القياس والنظر الصحيح أن تنصب زيدا بالفعل الذي قبل " إلا " . وذلك : أن الفعل ينصب كل ما تعلق به بعد ارتفاع الفاعل به . على اختلاف وجوه المنصوبات به وكل منصوب به . فمن ذلك المفعول الصحيح كقولك : " ضربت زيدا ، والمصدر ، والظرف من الزمان والمكان ، والحال . وكذلك تنصب المفعولات التي حذفت منها حروف الجر فوصل إليها الفعل . والاسم الذي ينتصب بعده على التمييز كقولك : " تفقأت شحما " . وتملأت غيظا " و " اشتعل الرأس شيبا " . ومنها : ما تنصب ما بعدها بتوسط حرف بينهما كقولهم : ما صنعت وأباك ، و " استوى الماء والخشبة " . فلما كان " أتاني " قد ارتفع به فاعله وهم : " القوم " وكان ما بعد " إلا " متعلقا به انتصب . وتعلقه به : أن أتاني ذكر بعده " القوم " المرتفعون به . وذكر بعد " إلا " الاسم المنصوب ، ليعلم اختلاف حال تعلقهما به . وكقولك : رأيت زيدا لا عمرا ، قد تعلق حال " زيد " و " عمرو " برأيت على اختلاف أحوالهما في التعلق به . وكان أبو العباس المبرد والزجاج يذهبان إلى أن المنصوب في الاستثناء ينتصب بتقدير : " استثنى " ويجعلان " إلا " نائبة عن " أستثني " وكأنه قال : أتاني القوم أستثني زيدا ، وهذا غير صحيح لأنا نقول : أتاني القوم غير زيد فننصب غير ، ولا يجوز أن نقول : استثنى غير زيد ، وليس قبل " غير " حرف تقيمه مقام الناصب له وإنما قبله فعل وفاعل ولا بد له إذا كان منصوبا من ناصب . فالفعل هو الناصب ، وناصب " غير " هو الناصب لما بعد " إلا " .